أصل وتاريخ العود: رحلة عطرية عبر العصور
chenxiang
24
2025-12-08 06:51:15

أصل وتاريخ العود: رحلة عطرية عبر العصور
يعود أصل شجرة العود (الأكويلاريا) إلى مناطق جنوب شرق آسيا الاستوائية، حيث تشير الاكتشافات الأثرية إلى استخدامها منذ أكثر من 3000 سنة. اكتسبت شهرتها من إفرازاتها الراتنجية العطرية التي تتشكل كرد فعل طبيعي لإصابات الأشجار بالفطريات. تظهر النقوش البابلية والمخطوطات السنسكريتية القديمة أن العود كان يُعتبر "هدية الآلهة" في الحضارات الهندية والصينية، بينما وصفه ابن سينا في القرن الحادي عشر كمادة علاجية فريدة.
تشهد المخطوطات العربية مثل "كتاب العمدة في الأدوية المفردة" لابن جزلة على الدور المركزي للعود في الطب العربي القديم، حيث استُخدم لعلاج أمراض الجهاز التنفسي وتعطير المساجد. اليوم، تحتفظ مكتبة الأسكوريال الإسبانية بمخطوطات أندلسية تُفصّل تقنيات استخراج دهن العود، مما يؤكد انتقال هذه المعرفة عبر طرق التجارة التاريخية من آسيا إلى العالم العربي.
العلم وراء الرائحة: كيمياء الجواهر السائلة
تحتوي إفرازات العود على أكثر من 150 مركباً عطرياً، أهمها السيسكويتربين الذي يشكل 70% من تركيبته الكيميائية حسب دراسة جامعة كيوتو (2018). تتفاعل هذه المركبات مع إنزيمات الفطريات لتنتج عطوراً متباينة تتراوح بين الروائح الخشبية الدافئة والعنبرية الحلوة.
تظهر الأبحاث الحديثة أن جودة الرائحة تعتمد على عمر الشجرة وطبيعة الإصابة الفطرية. فالعود الهندي يتميز بتركيز أعلى من الجيرماكرين-D الذي يعطيه نفحات حارة، بينما يحتوي العود الكمبودي على نسبة عالية من الأغاروفوران المسبب للعطر المدخّن. اكتشف فريق بحثي سعودي-ماليزي عام 2021 أن التعرض للرياح الموسمية يزيد إنتاج المركبات الفينولية بنسبة 40%، مما يفسر تفوق عود آسام الهندي في كثافة الرائحة.
العبور الثقافي: من المعابد إلى القصور الملكية
تحوّل العود من مادة طقسية في المعابد البوذية إلى رمز للرفاهية في العالم الإسلامي. تشير دراسة د. فاطمة الزهراء (جامعة القاهرة، 2020) إلى أن الخليفة العباسي المأمون أنفق ما يعادل 20 كيلو ذهباً سنوياً لتعطير قصوره بالعود. في المقابل، حفظت مخطوطات عُمانية من القرن الخامس عشر وصفات لخلط العود مع ماء الورد لعلاج الصداع النصفي.
يُظهر تحليل لسجلات تجارة ميناء ظفار أن صادرات العود إلى أوروبا في القرن السادس عشر بلغت 3 أطنان سنوياً، حيث استخدمته الكنيسة الكاثوليكية في طقوس التطهير. اليوم، تشير إحصاءات مجلس التعاون الخليجي إلى أن استهلاك الفرد من العود في السعودية يصل إلى 50 جراماً سنوياً، مقارنة بـ5 جرامات في أوروبا، مما يؤكد استمرار جذوره الثقافية العميقة.
التحديات البيئية: كنز مهدد بالانقراض
تواجه أشجار العود تهديدات وجودية بسبب الاستغلال الجائر، حيث انخفضت الكثافة الأشجار في بورنيو بنسبة 70% منذ 1990 حسب تقرير الصندوق العالمي للطبيعة (2022). تستهلك صناعة العود العالمية ما يعادل 3000 شجرة يومياً، بينما تحتاج الشجرة إلى 20-30 سنة لإنتاج راتنج عالي الجودة.
بدأت دول مثل فيتنام وبوتان في تطبيق تقنيات التلقيح الفطري الاصطناعي لزيادة الإنتاج دون قطع الأشجار. نجحت تجربة المختبر السعودي للعود الصناعي في إنتاج راتنج خلال 18 شهراً بدلاً من عقود، لكن الخبراء مثل د. خالد السبيعي (جامعة الملك سعود) يحذرون من فقدان 40% من التنوع الكيميائي في المنتجات الصناعية مقارنة بالطبيعي.