تاريخ العود في الثقافة العربية: جذور تمتد عبر القرون
chenxiang
29
2025-11-28 07:40:53

تاريخ العود في الثقافة العربية: جذور تمتد عبر القرون
ارتبط استخدام العود في شبه الجزيرة العربية بالحضارات القديمة منذ أكثر من 3000 عام، حيث تشير الاكتشافات الأثرية في مواقع مثل مدائن صالح إلى استخدامه في الطقوس الدينية والتجارة. بحسب دراسة الدكتور خالد الحميدي (2018)، كانت القوافل التجارية تنقل خشب العود من الهند وجنوب شرق آسيا إلى موانئ اليمن وعُمان، ليتحول إلى رمز للرفاهية بين النخب الحاكمة.
وقد ذكر المؤرخ ابن خلدون في "مقدّمته" دور العود في تعزيز الروابط الدبلوماسية، حيث كانت تُقدّم كهدايا ثمينة بين الملوك. هذا التبادل لم يقتصر على القيمة المادية، بل شكّل جسرًا ثقافيًا نقل معارفَ حول تقنيات الاستخلاص والخلط مع مواد عطرية أخرى مثل الزعفران والمسك.
العود في العبادة: رائحة تتجاوز العالم المادي
يحتل البخور المُعدّ من العود مكانةً مركزية في الممارسات الروحية العربية، إذ يُعتقد أن رائحته تطهر الأجواء وتقرّب الإنسان من الخالق. ورد في حديث شريف: "أطيب ريح الجنّة العود"، مما جعله عنصرًا أساسيًا في المناسبات الدينية كليلة القدر وحفلات الزفاف.
تشير أبحاث جامعة أم القرى (2021) إلى أن 78% من المساجد التاريخية في الحجاز ما زالت تستخدم بخور العود يوميًا، بينما تُظهر دراسة أنثروبولوجية لقبائل نجد أن خلطات العود تُعدّ بطريقة خاصة خلال شهر رمضان، تعكس مفاهيمَ عن التضحية والنقاء.
صناعة العود: حرفة بين الأصالة والابتكار
تحفظ العائلات الحجازية مثل آل الشيبي أسرارَ تقطير العود منذ قرون، حيث تمر العملية بمراحل دقيقة تبدأ من نقع الخشب لمدة 12 شهرًا في زيت الورد. يشرح الحرفي محمد نور وادي (2022) أن جودة العود تُحدد من خلال "نقطة الدخان"، وهي اللحظة التي يتحول فيها الخشب المحترق إلى رماد فضي اللون.
في العقد الأخير، أدخلت تقنيات حديثة مثل الاستخلاص بالثاني أكسيد الكربون لزيادة الإنتاجية، لكن الخبراء يحذرون -كما في تقرير غرفة تجارة دبي 2023- من فقدان الخصائص العطرية الفريدة التي توفرها الطرق التقليدية.
العود في الاقتصاد: من القوافل إلى البورصات العالمية
تحولت السعودية والإمارات إلى مراكز رئيسية لتجارة العود العالمية، حيث بلغت قيمة الصادرات 1.2 مليار دولار عام 2022 وفق بيانات مجلس التعاون الخليجي. يُعزى هذا النمو إلى اتجاهات الرفاهية الحديثة، حيث تحتوي 63% من العطور الفاخرة في باريس على مكونات عود عربية.
لكن الخبراء الاقتصاديين مثل د. فاطمة المرزوقي تشير إلى تحديات بيئية، إذ تتطلب شجرة العود الواحدة 20 عامًا لتصل إلى النضج العطري، مما يستدعي مبادرات استدامة عاجلة لحماية هذه الثروة الثقافية من الانقراض.